مراجعة تقرير BTI عن موريتانيا 2026

كيف قيّم تقرير BTI موريتانيا؟

يقيس تقرير التحول العالمي  (BTI) أداء الدول من خلال ثلاثة محاور رئيسية: مستوى التحول السياسي، ومستوى التحول الاقتصادي، وجودة الحوكمة. وفي نسخة 2024، رسم التقرير صورة مختلطة لموريتانيا؛ إذ سجلت أداءً أفضل في الاستقرار السياسي والإدارة الأمنية، مقابل تحديات مستمرة في التنمية الاقتصادية والإصلاح المؤسسي.

في تقرير BTI 2024 حصلت موريتانيا على النتائج الإجمالية التالية:

  • التحول السياسي: 4.42 من 10 (المرتبة 80 من 137 دولة) ويشمل المعيار (الدولة واحتكار القوة، المشاركة السياسية، سيادة القانون، استقرار المؤسسات القانونية، الاندماج السياسي والاجتماعي)
  • التحول الاقتصادي: 4.21 من 10 (المرتبة 102 من 137 دولة) ويشمل المعيار (التنمية الاجتماعية والاقتصادية، اقتصاد السوق والمنافسة، استقرار النقدي والمالي، الملكية الخاصة، نظام الرعاية الاجتماعية، الأداء الاقتصادي، الاستدامة)
  • الحوكمة: 4.11من 10 (المرتبة 90 من 137 دولة) ويشمل المعيار (مستوى التحديات، القدرة على التوجيه والإدارة، كفاءة استخدام الموارد، بناء التوافق، التعاون الدولي)

أولًا: التحول السياسي.. مؤسسات مستقرة وإصلاحات محدودة

يرى التقرير أن موريتانيا تتمتع بمستوى من الاستقرار السياسي يميزها عن كثير من دول الساحل. فالانتخابات تُنظم بصورة دورية، وتعمل المؤسسات الدستورية بشكل منتظم

لكن التقرير يشير في المقابل إلى أن الديمقراطية الموريتانية ما تزال تواجه تحديات تتعلق بتركيز النفوذ السياسي، وضعف مشاركة بعض الفئات في عملية صنع القرار، إضافة إلى محدودية قدرة المؤسسات الرقابية على ممارسة دورها بصورة كاملة.

ويعني ذلك أن موريتانيا نجحت في بناء قدر من الاستقرار المؤسسي، لكنها لم تحقق بعد تحولًا سياسيًا عميقًا بالمعايير التي يعتمدها التقرير.

ثانيًا: المشاركة السياسية.. تعددية قائمة ولكنها غير متكافئة

يمنح التقرير موريتانيا تقييمًا متوسطًا في مجال المشاركة السياسية. فالأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني تمارس نشاطها بصورة قانونية، وتوجد مساحة للنقاش السياسي والإعلامي مقارنة ببعض دول المنطقة.

إلا أن التقرير يرى أن النفوذ السياسي والاقتصادي ما يزال يلعب دورًا مهمًا في تحديد موازين القوة داخل المجال العام، ما يحد من فرص المنافسة المتكافئة بين مختلف الفاعلين السياسيين.

ثالثًا: سيادة القانون.. تقدم نسبي وتحديات مستمرة

في هذا الجانب يشير التقرير إلى وجود مؤسسات قضائية وإدارية تعمل في مختلف أنحاء البلاد، لكنه يلفت إلى استمرار الحاجة لتعزيز استقلالية القضاء ورفع كفاءة المؤسسات الرقابية.

كما يعتبر أن مكافحة الفساد وتحسين الشفافية ما تزالان من الملفات التي تحتاج إلى مزيد من الجهود والإصلاحات.

رابعًا: التحول الاقتصادي.. نمو قائم على الموارد الطبيعية

اقتصاديًا، يرى التقرير أن موريتانيا تمتلك مقومات مهمة بفضل ثرواتها المعدنية والبحرية، فضلًا عن الآفاق المرتبطة بإنتاج الغاز الطبيعي.

لكن الاقتصاد ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الخام، وهو ما يجعله عرضة للتقلبات الخارجية. كما أن النمو الاقتصادي لا ينعكس دائمًا على سوق العمل أو مستويات المعيشة بالقدر المطلوب.

ولهذا يمنح التقرير موريتانيا تقييمًا متوسطًا في مسار التحول الاقتصادي، مع الإشارة إلى وجود فرص كبيرة غير مستغلة بالكامل.

خامسًا: العدالة الاجتماعية.. التحدي الأكبر

يعد هذا المجال من أكثر الجوانب التي سجل فيها التقرير ملاحظات نقدية. فالفقر والتفاوت الاجتماعي ما يزالان قائمين، كما تواجه بعض الفئات صعوبات أكبر في الوصول إلى الفرص الاقتصادية والخدمات الأساسية.

ويرى التقرير أن تحقيق تنمية أكثر شمولًا يمثل أحد الشروط الأساسية لتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي على المدى الطويل.

سادسًا: الحوكمة وإدارة الدولة.. نجاح في الاستقرار وقدرة محدودة على الإصلاح

في محور الحوكمة، يشيد التقرير بقدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار وإدارة التحديات الأمنية والإقليمية، خصوصًا في بيئة الساحل المضطربة.

لكن التقرير يرى أيضًا أن وتيرة الإصلاحات لا تزال أبطأ من حجم التحديات التي تواجه البلاد، سواء في الإدارة العمومية أو مكافحة الفساد أو تطوير المؤسسات.

وبحسب التقرير، فإن الاختبار الحقيقي لموريتانيا خلال السنوات المقبلة سيكون في قدرتها على تحويل الاستقرار السياسي والموارد الاقتصادية الجديدة، وخاصة عائدات الغاز، إلى إصلاحات تنموية ومؤسسية مستدامة.

مقارنة بالماضي:

تكشف المقارنة مع النسخة السابقة من مؤشر التحول العالمي (BTI) أن موريتانيا لم تشهد تغيرًا جوهريًا في تقييمها العام، إذ حافظت على موقعها ضمن فئة الدول ذات التحول المحدود. فقد استقر مؤشر التحول السياسي عند 4:42 من 10 تقريبًا، ما يعكس استمرار التوازن نفسه بين الاستقرار المؤسسي وضعف الإصلاحات الديمقراطية. كما لم يسجل مؤشر الحوكمة تغيرات كبيرة، وهو ما يشير إلى أن قدرة الدولة على إدارة التحديات الأمنية والسياسية لم تُترجم إلى إصلاحات مؤسسية أعمق. وفي المقابل، يلاحظ التقرير تحسنًا نسبيًا في النظرة المستقبلية للاقتصاد مع اقتراب دخول مشاريع الغاز مرحلة الإنتاج، إلا أن هذا التفاؤل لم ينعكس بعد على الدرجات الأساسية بسبب استمرار الفقر والبطالة وضعف التنويع الاقتصادي. وبصورة عامة، يرى التقرير أن موريتانيا تمكنت من المحافظة على مكاسب الاستقرار التي حققتها خلال السنوات الماضية، لكنها لم تحقق بعد القفزة النوعية التي تسمح بانتقالها إلى فئة أعلى في مؤشرات التحول السياسي أو الاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *