تعليق على الإستراتيجية الوطنية للتعليم العالي في أفق 2030
مدخل:
اطلعت مؤخرا، ومتأخرا، على الإستراتيجية الوطنية للتعليم العالي في أفق 2030 في موريتانيا، قررت أن أحاورها في السطور التالية، معلقا باقتضاب على بعض ما ذكر فيها وبعض ما لم يذكر مما رأيت أن تركه قصور من واضعي الإستراتيجية. وقد رتبت ملاحظاتي العامة في ستة محاور تناقش كالآتي: خطأ التشخيص وتجاهل الخلل العضوي الأكبر في النظام التربوي الموريتاني: تحدثت في هذه المقالة عن علاج البطالة، وموضوع الشراكة مع القطاع الخاص، وأن الإستراتيجية لا تحيل إلى التجارب الأخرى حول العالم في حل مشكلة التوظيف مثلا، وتحدثت فيه على أن الإستراتيجية لا تحيل إلى التجارب الأخرى حول العالم في حل مشكلة التوظيف، ويعرض كيف أن واضعي استراتيجية التعليم العالي والثانوي في بلدنا لا ينظرون نظرة عضوية شاملة لعملية التعليم، وتطرقت فيه إلى الرقمنة وما ورد في بابها، وقد انتقدت ضبابية الرؤية وغياب الحديث عن الذكاء الصناعي سواء كوسيلة لدعم العملية التعليمية، وقد تناولت فيه ما فات واضعي الإستراتيجية من أهمية التعليم المحظري، وما يمكن أن يقدمه للبلد لو استثمر كما ينبغي
الخطيئة الأولى: غياب مفهوم مركزية الطلاب
إن أول ما يلفت القارئ لهذه الإستراتيجية خلوها من أي لفتة لأهم عيوب النظام التعليمي في موريتانيا، والذي هو في نظري مكن تخلفه وسبب تدهور المستويات في كل مراحله، ألا وهو الخلل البين في علاقة الطلاب والأساتذة. فالناظر للممارسة المهنية لأساتذة الجامعة في موريتانيا يرى أن هذه العلاقة غير مضبوطة بضوابط أخلاقية، أو مهنية، أو إدارية محددة، بل إن طابعها الرئيسي الارتجالية، والفوضوية، وغياب أي مسار للرقابة والمسؤولية. ومرد هذا إلى أن النظام التربوي الموريتاني لا يعطي الطالب أولوية أو مركزية، لا في الخلفية الفلسفية للعملية التربوية ولا في الممارسة الفعلية.
فلا يأخذ المخطط، ولا الإداري في الحسبان أن الطلاب شركاء في العملية التربوية، وأنه كما ينبغي أن تكون هناك ضوابط لتصرفات الطالب داخل النظام التربوي احتراما للكادر التعليمي، وضرورة أن يكون ملزما بحكم النظم، وبحكم الرقابة الذاتية بالقيام بواجباته على أكمل وجه وأن يكون المرجع في نجاحه أو إخفاقه في ذلك تقييم الأساتذة لأدائه، فإنه ينبغي كذلك أن تكون هناك نظم، ومساطر، وإجراءات مهنية محددة، تنظم عمل الأستاذ وتفرض عليه القيام بواجبه بأتم وجه، وأن يكون للطلاب—كمراقبين ومستفيدين من العملية التربوية—قدرة على إبداء الرأي في مستوى نجاح أو فشل الأستاذ في القيام بهذه الواجبات. والمدخل الأول لهذا مفهوم المسؤولية المهنية التي تبنى على الشفافية الكاملة في نظام الواجبات، والمسؤوليات، والمتطلبات، وأسس التقييم في السياق التربوي. فمن غير المنطقي مثلا ألا يقدم الأساتذة مناهج واضحة، ومخططات دراسية بينة (syllabi)، توضح المطلوب من الطالب والمتوقع من الأستاذ طيلة الفصل الدراسي—رغم أن غياب هذا هو السمة الشائعة في السياق الجامعي الموريتاني.
فالأستاذ يدرّس ما يشاء، كيفما يشاء، دون استئناس أو سابق وعي أو إخطار، أو إنذار للطلاب. فحين يخرج الطالب من بيت أهله صباحا قد لا يعلم ما ينتظره في الفصل، أما أن يكون عرف كل صغيرة وكبيرة مما يتوجب عليه القيام به، أو تكون بين يديه مراجع محددة لمعايير التقييم(rubrics) لكل نشاط تعليمي من الأسبوع الأول من كل فصل فهذا غير متخيل في الوسط الجامعي الموريتاني، رغم أنه أمر بدهي في كل النظم التربوية حول العالم. وغياب هذا يمثل الخطئية الأولى، التي تجر لكل الخطايا الأخرى. فغالب الأساتذة، يعتمد على الذكاء الفطري والاجتهاد الفردي—بعيدا عن المنطق المؤسسي المنهجي– لارتجال مادة الدرس، ومقاربة التدريس، ومعايير التقييم، التي تبقى غير منطوقة—أحرى أن تكون مكتوبة، وقد يفكر قبليا أو بعديا، أو لا يفكر مطلقا في أهداف الدرس (lesson objectives) وعلاقته بأهداف الوحدة الدراسية، والمقرر العام، أو الأهداف العامة للجامعة. وهذه الفوضى تنعكس على سلوك الطالب، الذي يرى أن التعلم هو عميلة فك لطلاسم وألغاز لا يفهمها إلا الأستاذ، والبارعون من عباقرة الطلاب، وقليل ماهم.
وقد يرى الطالب، وما أكثر ما يحصل هذا، أن الباب الأكبر للنجاح مرتبط بالتوفيق لمعرفة ما يراه الأستاذ علامة على الذكاء والتميز، ولأنه لا منطوق أو مكتوب يرجع إليه لفهم ذلك، فإن معرفته مرهقة مضنية. ولهذا يلجأ بعض الطلاب المتوسطين إلى الغش، وبعض الطلاب الجيدين للتدين، والبعض الآخر للتسرب. وهذه الإستراتيجية التي نحن في وارد الحديث عنها تتكلم عن الكثير منه (أي من التسرب) في كل شعب الجامعة.
وتعترف الاستراتيجية بأن معدلات الاستبقاء منخفضة جدا وبشكل خاص في جامعة نواكشوط ولا سيما في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، حيث لا يكمل مرحلة الليسانس إلا 20% من طلابها. أما في كليات العلوم القانونية والاقتصادية والعلوم والتقنيات، فإن النسبة هي 35%، و55% على الترتيب. أما في المعهد المهني الجامعي—وهو الأفضل في هذا السياق—فإن النسبة لا تتجاوز 58%، وهذا يعني أن أكثر من نصف الداخلين للجامعة يغادرونها دون شهادة، ودون أفق مهني واضح. وهذا تبذير مريع للمصادر.
وما ينطبق على مشاكل التسرب والتخرج، ينطبق على غياب فضاء التشغيل والدمج في الحياة النشطة. إذ لعل أهم جوانب الإستراتيجية التقرير المفصل نسيبا لشروط دمج الطلاب مهنيا وعن فشل الجامعة ومخرجاتها في الفترات السابقة في توفير شهادات تسهل ولوج الخريجين لسوق العمل. فعلى خلاف الأبواب الأخرى من الإستراتيجية يجد القارئ في هذا الباب بعض الإحصاءات المهمة المتعلقة بمستويات التشغيل في مرحلة ما بعد التخرج من السنة الأولى وحتى العاشرة. إذ يوضح هذا الباب أن حوالي 75% من الخريجين يظلون بلا عمل في عامهم الأول بعد التخرج، وأن حوالي خمسين منهم تظل خارج سوق العمل حتى بعد أربع سنين من التخرج، ولا تحصل البقية على وظائف إلا بعد عقد من الزمن، وهذه الصراحة في التقرير، محمدة تجب الإشادة بها. كما أن التوصية بتطوير نظام للمسح المنتظم يستهدف كافة الخريجين السابقين للحصول على البيانات الكافية بخصوص مآلاتهم واستحداث خلية لمتابعة أمورهم أمر في غاية الأهمية وإن كان غيابه أصلا مثلبة للنظام التربوي بشكل عام.
أفكار للإصلاح ولكن:
وبدل الحديث عن اصلاح هذا الخلل تركز الاستراتيجية في سعيها لوقف منح شهادات عليا لا تستوفي المعايير العالمية—وهي شهادة صادمة تحسب لكتاب الإستراتيجية—تطلب الإستراتيجية اشراك وزارة التعليم العالي في “تنظيم امتحانات الباكولوريا بهدف تهيئة الظروف المواتية لضبط أعداد الحاصلين على هذه الشهادة وضمان تسييرها بشكل أكبر.” وهذ التوجه يظهر أن شغل الوزارة هو ضبط عدد الناجحين كي لا تشعر بالحرج أمام عجزها عن توفير المقاعد الكافية لتعليمهم العالي. وأعجب من هذا الحديث عن المستويات اللغوية المتدنية—والمقصود به الأجنبية—وكأن اتقانها سيحل كل مشاكل النظام، مع أن العكس قد يكون صحيحا، فإدراج هذه اللغات اعتباطا في مراحل مختلفة من التعليم ربما يكون عائقا كبيرا، ليس أمام القدرة على الاستيعاب فحسب بل أمام الرغبة في مواصلة التعلم إجمالا. ويبقى الأمل والمعول على خلق وتطوير مراكز البيدوغوجيا التي أوصت بها الإستراتيجية، رغم أن غيابها أو تأخر تأسيسها يضع علامة استفهام حول العملية التربوية برمتها.
إن هذا الجانب التربوي من العلاقة أهم بكثير من بعض التوصيات المهمة التي تطرقت لها الاستراتيجية، مثل معالجة فقر الطلاب وانعدام المساواة في التمثيل بين الجنسين في التعليم بشكل عام وفي الشعب العلمية والفنية بشكل أخص. فرغم ما تظهره هذه الجوانب من وعي لدى واضعي الاستراتيجية لضرورة رفع مستوى الانفاق على التعليم– والذي تعترف الإستراتيجية بأنه دون مستوى الإنفاق لدى نظيرات موريتانيا—إلا أن هذه الدعوة في حد ذاتها لا تكفي. ومع هذا فإن رفع مستوى الإنفاق على التعليم بشكل عام ضرورة هيكلية. ففي الوضع الحالي تصرف الحكومة الموريتانية أقل من 10% من ميزانيتها على التعليم بكل جوانه، بينما تصرف الجزائر على سبيل المثال 15.89%، ويصرف المغرب حوالي 22% من الميزانية على التعليم. والأرقام في السينغال (22.5%) وتونس (23%) مشابهة للجارين المغرب والجزائر. وتظل موريتانيا أيضا أقل هذه الدول صرفا على التعليم إذا نظرنا إليه كنسبة (2.83%) من الناتج الوطني الخام، مقارنة بالجزائر (15%) والمغرب (5.25%)، والسينغال (4.15%)، وتونس (6.14%).
وعلى كل حال فإن الحلول المقترحة في رفع مستوى كفاءة التعليم، مثل زيادة المنح، وتوسيع طاقة السكن الجامعي، واعتماد “سياسة خاصة” لزيادة تشغيل النساء—أي التمييز الموجب لصالحهن—هي علاجات معقولة، لكنها ترقيعية الطابع، لا تسعى لحل المشكلة من الجذور. فإصلاح الثقافة التربوية، ولا سيما، موقع الطالب من العملية التربوية، أبعد أثرا، وأحمد نتيجة من هذه الحلول، سواء تعلق الأمر بتشجيع الطالبات على التنافس والاستمرارية أوبعلاج التسرب الناجم عن الهشاشة المادية لأسر الطلاب. والقيام بهذا الإصلاح سيوفر بلا شك أرضية نفسية سوية لتعمل الحلول الأخرى—زيادة المنح، تحسين السكن، ترقية وسائل النقل وتوفرها—عملها المرجو. أما في غياب علاج العلاقة التربوية، التي تهمش الطالب، وتغرر بالأستاذ، وتسفه التعليم، فلا شيء يرجى من هذه الحلول الترقيعية.
البطالة والتعاون مع جهات التوظيف
ومن الأمور التي تذكر وتشكر في هذه الإستراتيجية الحديث في الجزء الثاني في التوجهات الاستراتيجية عن دعم التمهين وريادة الأعمال. وقد شمل هذا الباب حديثا عن زيادة عدد الطلاب في الشعب المهنية واشراك المهنيين في عمليات التعليم، وعن خلق أطر تشاورية مع الفاعليين الاقتصاديين، وعن وضع آلية لمراقبة واستكشاف سوق العمل. ويتغيا هذا لا شك دمج الخريجين. ويبدو من لغة هذا الباب أن بعض شعب الجامعة تتعاون بالفعل مع بعض القطاعات أو الفاعلين في القطاع الخاص، ولكن هذه الشراكات تبدو صغيرة وقاصرة، ولا تقوم بما يجب كما هو واضح من الأرقام المتعلقة بالتشغيل.
وكما أسلفت فإن من أهم جوانب الإستراتيجية التقرير المفصل نسيبا لشروط دمج الطلاب مهنيا وعن فشل الجامعة في الفترات السابقة في توفير شهادات تسهل ولوج الخريجين للسوق العمل. إذ يوضح هذا الباب أن حوالي 75% من الخريجين يظلون بلا عمل في عامهم الأول بعد التخرج، وأن حوالي خمسين منهم تظل خارج سوق العمل حتى بعد أربع سنين من التخرج، ولا تحصل البقية على وظائف إلا بعد عقد من الزمن. وهذا الواقع السيئ الذي يتحدث عنه التقرير يترك غصة في نفس القارئ وإن كانت الصراحة في التقرير، محمدة تجب الإشادة بها.
ولهذا فإن الحديث عن تعزيز الروابط مع الشركات عبر إنشاء مركز جامعي لتقوية عرى التواصل بين الوسط الإقتصادي وجامعة نواكشوط وخلايا مماثلة في مؤسسات التعليم العالي الأخرى أمر في غاية الأهمية، وإن كانت اللغة التي كتبت بها هذه الإستراتيجية فضفاضة، وتفتقر إلى استشراف كمي لمستوى الحاجة، وحجم الاستجابة الممكنة على مديات زمنية محددة، تصلح أن تشكل قاعدة بيانية لوضع أهداف على المدى القريب، والمتوسط والأبعد. فعلى سبيل المثال لا توجد إحالة إلى عدد الشركات المستهدفة في القطاع الخاص، ولا عن الشعب الجامعية المعنية.
من السابق يتعلم اللاحق
ومن جوانب القصور الواضحة غياب الحديث عن أمثلة أو تجارب أخرى ملهمة حول العالم يمكن أن يقتدي بها المخطط الموريتاني، وهو ما يعني أن لغة الإستراتيجية كتبت دون الرجوع إلى التجارب المتوفرة، والتي قد تلهم وترشد واضعي هذ الإستراتيجية ومنفذيها مستقبلا. فلا يوجد على سبيل المثال الحديث عن العلاقات العضوية الكثيفة داخل الجامعات الغربية بين الشركات الصناعية والخدمية والبرامج الجامعية، حيث تحصل معظم الأقسام الجامعية على منح وتمويل سخي من الشركات الخاصة والعامة، وليس هذا كرما منها، بل سعيا منها للتأكد من تخريج أجيال من العمال، مهندسين، وحرفيين، ومخططين، ومبتكرين في تخصصات الإشهار والفن والهندسة وغيرها من المجالات التي تحتاجها هذه الشركات في سعيها للاحتفاظ بمواقعها الرائدة في التصنيع والابتكار والتسويق، لأنها تدرك أن العمالة المتعلمة، والمؤهلة تصنع فارقا كبيرا في مستوى الانتاجية، والحرفية. لا وجود لذكر أمثلة يمكن الاقتداء بها، ولا تعيين لجوانب محددة أكثر قابلية للعلاج من غيرها في المدى المنظور.
معرفة الغايات معينة على خلق الوسائل
وفي هذا الباب يبدو أن الحديث عن تناغم وعلاقة عضوية بين السياسات العامة للتعليم والمخططات الإستراتيجية الشاملة للحكومة، وكيف يمكن أن تكون الأولى رافعة للثانية، خارج المتخيل بالنسبة لواضعي الإستراتيجيات العامة للتعليم. فالظاهر أن تصور نوع الأقسام الجامعية، أو الشعب العلمية أو التخصصات التربوية الموجودة وضع اعتباطا دون النظر في الحاجيات العامة والشاملة للحكومة وقطاعاتها المختلفة، فلا يوجد حديث عن كيفية استفادة الحكومة أو الدولة وقطاعاتها المختلفة من برامج التدريس والتدريب في مختلف مؤسسات التعليم العالي. فلا حديث على سبيل المثال عن مساهمة الأقسام المتخصصة في اللغات والثقافات الأخرى (الفرنسية، الإنجليزية، والإسبانية، والصينيية، إلخ) في خدمة الدبلوماسية الموريتانية، ولا عن الحاجيات الكمية والكيفية لقطاعات الخارجية ومشاريع التعاون الخارجي لنخب متخصصة لغويا وثقافيا بما يصنع الفارق في عمل البعثات الدبلوماسية الوطنية. فعلى سبيل المثال لا يوجد تصور عن عدد الخبراء المتخصصين تخصصا مهنيا معمقا في الشؤون الروسية، أو الأمريكية، أو الصينية، أو الفرنسية أو الإسبانية، أو غيرها. والشيء ذاته صحيح بخصوص عدم الحديث عن تناغم أو تعاون بين أقسام كهذه أو غيرها من أقسام العلوم الإنسانية أو العلمية التقنية مع قطاعات المخابرات، والأمن، والدفاع، والزراعة، والصيد، والمعادن. إذ يبدو أن التخطيط للبرامج التعليمية في واد، والتخطيط للعمل الإداري الحكومي في واد آخر. ولا تسد المدارس المهنية القليلة مسد هذا النوع من التخطيط، أولا، لأنها غير متشعبة بما يكفي لسد هذه الحاجيات وثانيا لأن تدريبها المستعجل لا يمكن أن يعوض العمق الذي يتأتى من التخصص لسنوات متعددة. وهذا التنافر ما بين ما يدرس، وما يعمل به، بين ما تحتاجه قطاعات العمل العام—قبل الخاص—حري بالاستدراك.
والأغرب حقا في مدخل هذا الباب، كون هذه الإستراتيجية تدعوا إلى وضع سجل للمهن والوظائف المتوفرة على المستوى الوطني. ووجه الغرابة في المسألة أن هذا لا يحتاج إلى توصية، بل ينبغي أن لا يحتاج إلى جهد، إذ يفترض أن هذه المعلومة معروفة سلفا للمخطط الموريتاني سواء عن طريق الوزارات الوصية أو عن طريق السجل العام للضرائب للقطاعين العام والخاص. ففي عصر الرقمنة من المفترض أن كبسة زر تكفي للحصول على هذه المعلومة.
الرقمنة: أنف في السماء وأست في الماء
الحديث عن الرقمنة دون الحديث عن تطوير موقع الجامعة الرئيسية للبلد، والذي هو واجهتها الرئيسية للعالم الخارجي ولا حتى عن طبيعة الخدمات الألكترونية التي يمكن أن يوفرها للزائرين سواء من الطلاب الراغبين في الالتحاق أو الباحثين المهتمين بالتعليم في موريتانيا أمر ملفت جدا. ومن يلج إلى موقع الجامعة يلحظ أن الكثير من روابطه لا تعمل، وبعض جوانبه غير مكتمل أصلا، ولا يوفر جردا كاملا للبرامج الأكاديمية في الجامعة ولا لكلياتها ولا لبرامجها الفرعية، ومقارنة بسيطة بينه وبين موقع جامعة الشيخ أنتا جوب في السينغال والتي ينبغي أن تكون نظيرا، يظهر الفرق البين بين الإثنين.
ومن العجب كذلك أن هذا الجزء لا يشمل أي حديث عن منصات تعليمية داخلية تعتمدها الجامعات كتلك المتعارف عليها عاليما، كوسيط بين هيئة التدريس والطلاب، ك LMS Moodles أو Blackboards، Brightspace،D2L، أو غيرها. وهذه المنصات التي أصبحت جزءا رئيسيا من نظام التعليم حول العالم في كل القارات تقريبا توفر وسيطا يرفع عليه الأستاذة الجامعيون المناهج والخطط والمقررات، كمراجع يمكن للطلاب الرجوع إليها لمتابعة ممخططات الفصل، والاستفسار عن متطلبات الدروس، وإكمال التطبيقات، وتسليم التمارين والبحوث في وقتها، من داخل ومن خارج الحرم الجامعي وفي أي وقت ، كما أنها تتيح وسيلة تواصل فورية.
ومع ذلك لا وجود لهذه الوسائل التعليمية في التقرير في باب الرقمنة ولا في غيره، لا كحقيقة ماثلة يجب تعزيزها وتطويرها ولا كناقص تجب إضافته. والاستثناء في هذا الباب الحديث عن غياب شبكة وطنية للبحث والتعليم وعن الاعتماد الكلي تقريبا على شبكات دولية إسبانية وأوروبية مثل IRIS، و GEANT و افريقية مثل WARDIP، وهي في المجمل تفتقر إلى أمرين في الوسط المحلي، أولا إلى الإدماج الواسع في العملية التربوية وثانيا، تفتقر في طبيعة بنائها إلى المرونة الني تتوفر عليها الوسائط السالفة الذكر (LMS Moodles أو Blackboards، Brightspace) وهو ما جعلها أكثر شيوعا في الأوساط التعليمية حول العالم.
ومن المؤسف حقا أن التوصيات الرئيسية في هذا الباب تسعى إلى تطوير عروض التكوين، والممارسات المبتكرة في الميدان الرقمي دون جرد للمستوى الحالي لدور النظم الرقيمة في النظام التربوي والتعليم مما يسمح بوضع سياسة مبنية على أسس علمية تأخذ بعين الاعتبار الإمكانات والحاجيات. ويبدو الحديث في مجمله مستقبليا استشرافيا، وفضفاضا في ذات الوقت، إذ يقول على سبيل المثال: “يجب أن تبدأ عروض التكوين في المقام الأول بدروس مكرسة تماما لتنمية الكفاءات الرقمية ولكن أيضا بمناهج تربوية وأدوات تعلم جديدة تجعل من الرقمنة أداة تربوية.” ومن يرجع لهذه الفقرة يرى أنها لا تتيح معرفة مستوى البنية التحتية الرقمية المتوفرة، ولا مستوى اندماجها، ولا حتى استشراف المطلوب والمتغيا من هذه الإستراتيجية.
هل الحديث هنا عن إضافة وسائل الذكاء الاصطناعي ودمجها في النظام التربوي، أم هل المسألة متعلقة بتطوير وتحديث النظم الرقمية التقليدية؟ كما أنه يستشف من الفقرات اللاحقة من هذا الاستطراد: (إطلاق نشاطات لدعم تطوير القدرات الرقمية وتسهيل تكيف سريع مع عروض التكوين…) أن النظرة العامة للمسألة سطحية لا تتعدى الحديث عن التدريب على الممارسات، وطرق التدريس الرقمية، دون السعي لخلق قاعدة من المتخصصين العلمين وليس من المكوَّنين فحسب.
ومن المعيب حقا أنه في هذا العصر الذي تطور فيه الذكاء الصناعي، وتشعبت جوانب استخدامه من طرف الطلاب وكوادر التدريس في العالم، لا تتضمن الإستراتيجية رؤية لطريقة الإفادة من هذه التقنيات، ولا عرضا ولو استشرافيا لجوانب التعاون بين الجامعات المحلية وشركات الذكاء الاصطناعي، ولا حتى طرحا جدليا للتحديات التي تمثلها هذه التقنيات أمام الأستاذة والأكاديميين. والمفارقة هي ربما أن الطلاب الموريتانيين متقدمون على إدارتهم وعلى الكادر التعليمي في استخدام الذكاء الاصطناعي للتعلم وللترفيه أيضا، وهذا يخلق فجوة وغيابا في الإرشاد، ولكل هذا أثره الكبير على واقع التعليم العالي.
غير المذكور وغير المنظور:
يبدو غائبا وخارج نطاق التفكير الإستراتيجي كيفية الإفادة من الثروة الاستراتيجية للنظام المحظري، فلا تفكير في الإفادة على سبيل المثال من التراكم الكبير للخبرات البيداغوجية في تعليم العلوم العربية والإسلامية، والتي يمكن أن تطبق في معظم المجالات الإنسانية، بل والعلمية. وأهم هذه الجوانب ذات الأثر العام، مركزية الطالب من حيث حرية التخصص، واختيار وتيرة وتسارع التحصيل، والمسؤولية الفردية، وفرص التواصل الشخصي مع الأستاذ، ومرونة واستمرارية اليوم الدراسي، ومساهمة الطلاب النابغين في تدريس نظرائهم (وهو أمر صار معمولا به في الكثير من الجامعات حول العالم)، والاهتمام بالدافع الفردي للتعلم، وربط النظام التعليمي عضويا بالنظام الثقافي بحيث يكون تحصيل العلم في حد ذاته قيمة اجتماعية، وليس وسيلة تكسب فحسب.
والأهم من هذا كله عدم التفكير في استراتيجية لتطوير وتقديم العلم الشنقيطي وقدرات نظام المحظرة في حلة متناسبة مع الحاجيات العالمية في مجالات العلوم الإسلامية والإنسانية بحيث تسهم سمعتها في خلق تأثير ناعم في الفضاء الإسلامي العالمي يستفيد منه الشعب والحكومة على حد السواء، في عالم تخاض معظم معاركه على مستوى الأفكار، وفي مرحلة زمنية حساسة تتجه فيها المجتمعات العالمية إلى مراجعة المنطلقات العقدية والفلسفية للحداثة في كل أصقاع العالم.
فبقدر يسير من التوجيه، وبمستوى متوسط من التمويل والتأطير على لغات العالم وعلى الحوسبة، والتدريب على وسائط التواصل، وعلى المفاهيم الإنسانية العامة، وسياقات الصراعات العقدية، والنقاشات الفكرية والأكاديمية، تمكن الإفادة من السمعة الحسنة المتراكمة نتيجة الجهود الفردية للعلماء الشرعيين الموريتانيين عبر العقود، لخلق قاعدة مؤسسية، توفر الكفاءات الموريتانية المدربة تدريبا شرعيا، عصريا، لآلاف المؤسسات الدينية والفكرية حول العالم. فما المانع مثلا أن يكون ثمة مراكز في المؤسسات التعليمية ذات المرجع المحظري، كالمعهد العالي للبحوث والدراسات الإسلامية، وكجامعة العيون، ونظيراتهما، تساعد الخريجين المؤهلين شرعيا ولغويا على التعرف على والتقديم لوظائف الأئمة ورؤساء المساجد في أمريكا، وكندا، وفرنسا، وبريطانيا، وأستراليا، وغيرها من دول العالم حيث تنمو الجاليات الإسلامية، وتمنو معها الحاجة إلى أئمة وعلماء، وقراء، ومرشدين اجتماعيين. ويمكن أن تقوم السفارات في هذه البلدان بالتوازي مع هذا بكل اللازم دبلوماسيا لدعم نجاح هذا التوجه. ولو تحقق هذا التوجه لوفر أمرين مهمين: أولهما تشغيل أجيال كبيرة من الشباب المتخصص في هذه العلوم في أطراف العالم، وثانيهما وضع عقول موريتانية في مراكز فكرية ودينية تسمح لها بالمساهمة في تشكيل وعي ديني وثقافي منسجم مع الرسالة التاريخية للمحظرة من جهة، وتنمية ثقافة من التعاطف مع البلد واشعاعه الحضاري. وللأمرين معا تأثير ملموس على الاقتصاد والسياسة، إن استثمرا أحسن استثمار.
وختاما، يجد التذكير بالنقاط الأساسية لهذا التعليق المقتضب على الإستراتيجية الوطنية للتعليم العالي. إن وضع الإستراتيجيات مفيد لأنه يضع المخطط أمام تصور شامل لما ينبغي أن تؤول إليه الأمور. وهذا من شأنه أن يشحذ الهمم، ويصون الطاقات. ومن هذا المنطلق فإن هذه الإستراتيجية وفقت في جوانب بينة لم أتطرق إليها، لأنها لا تحتاج إلى كثير ضافة. ومن هذه الجوانب الوصف العام لحالة التعليم بالمعطيات والأرقام، من تسرب دراسي من الابتدائية إلى الجامعة، ومن مشاكل منهجية تتعلق بالقصور في تدريب العدد الكافي من الأساتذة لكل مستويات التعليم، ومن التذبذب في أعداد الناجحين في الباكولوريا مما يضع عبئا كبيرا على المخططين في الجامعات ومراكز التعليم العالي الأخرى. كما أنه يحسب للإستراتيجية الصراحة في التوصيف الجريء للفشل العام للنظام التربوي ولا سيما في مجال التعليم العالي، حيث يذكر أن الشهادات المقدمة لا تفي بالمتطلبات الدولية. وقد قدمت الإستراتيجية مجموعة من التوصيات العامة التي يبدو بعضها مصيبا، سواء ما تعلق منها بتوسيع التعاون مع القطاع المهني ومع الشركات لربط التخصصات بالمتطلب في السوق ليسهل توظيف المتخرجين. كما وصت كذلك بتطوير التدريب على التقنيات الرقمية لفائدة الكادر التربوي، وهو ما من شانه أن يرفع مستوى الكفاءة في التعليم والتقييم.
ورغم هذه الجوانب المضيئة، فإن ثمة جوانب قصور معتبرة لخصتها في النقاط الستة السابقة. وهي على التوالي، ضرورة علاج الخلل المنهجي الأكبر المتعلق بتهميش دور الطلاب، والاستفادة من تجارب الجامعات الأخرى، وأهمية التعاون بين القطاعات الاقتصادية والتعليمة، وأن تكون نظرة الوزارة الوصية أكثر شمولية بحيث تأخذ الدور الرئيسي للتعليم في كل جوانب العمل الحكومي، والنظر للرقمنة بفهم أكثر عمقا للحاجيات المستجدة مع بروز الذكاء الاصطناعي وما يترتب عليه من أثر على عمل الأساتذة والطلاب. وأخيرا تطرقت إلى أهمية دمج المفاهيم الثقافية والبيداغوجية لنظامنا التربوي الأصلي في السياسة العامة للتعليم، والتأطير، بل وفي السياسة العامة حول العالم. وأتمنى أن تكون هذه الملاحظات مفيدة، إذ ليس الهدف منها التقليل من العمل القيم الذي قام به واضعوا الإستراتيجية.
