قراءة موجزة في ملامح الخلل المؤسسي من خلال تقرير محكمة الحسابات (2022–2023)
يشكل التقرير الصادر عن محكمة الحسابات للسنوات 2022–2023 وثيقة بالغة الأهمية من حيث ما تضمّنه من مؤشرات دقيقة على طبيعة الخلل الذي تعاني منه منظومة الحوكمة في الدولة، ليس فقط في بعدها المالي، بل في بنيتها المؤسسية والقانونية. فالتقرير لا يقدّم مجرد بيانات رقمية، بل يكشف بوضوح عن قصور هيكلي في ممارسة الرقابة وتطبيق مبدأ الشرعية المالية، وعن غياب الانسجام بين النصوص القانونية والواقع العملي لتسيير المال العام.
يُلاحظ أولاً أن محكمة الحسابات لم تبدأ فعليًا إلا مؤخرًا في ممارسة اختصاصها المتعلق بالبتّ في حسابات المحاسبين العموميين، رغم أن هذا الاختصاص مؤسس منذ دستور 1991 والقانون النظامي رقم 032-2018 المتعلق بالمحكمة. ويُظهر هذا التأخر أن الخلل لم يكن في النصوص بقدر ما كان في تعطّل تفعيلها، نتيجة غياب الإطار التنظيمي اللازم، كأداء اليمين القانونية وتقديم الضمانات وتنصيب المحاسبين في مراكزهم النظامية.
جزء من المال العام ظلّ خارج الرقابة القضائية
إن استمرار هذا الوضع يعني عمليًا أن جزءًا من المال العام ظلّ خارج الرقابة القضائية، مما يُضعف مبدأ الشرعية المالية الذي يفترض أن يحميه القضاء المالي بصفة دائمة وفعالة.
كما أبرز التقرير أن العديد من الإدارات والمؤسسات العمومية لا تحترم المساطر القانونية الخاصة بالصفقات العمومية، ولا تلتزم بقواعد المحاسبة المنصوص عليها في النصوص المنظمة للمالية العامة. ففي قطاعات إستراتيجية مثل البترول والمعادن والطاقة، تم تسجيل تجاوزات جوهرية تمثلت في إبرام عقود دون احترام الإجراءات الشكلية، وضعف المتابعة القانونية للالتزامات المفروضة على الشركات الأجنبية، فضلاً عن تقصير واضح في حفظ وأرشفة البيانات ذات الطابع المالي والتقني. هذه الممارسات تؤشر إلى ضعف الحوكمة الداخلية وإلى غياب آليات قانونية فعّالة للمساءلة والمراقبة.
عدد من المؤسسات العمومية يعيش حالة من الغموض القانوني
ويبيّن التقرير أن عددًا من المؤسسات العمومية يعيش حالة من الغموض القانوني، إذ تفتقر إلى مخططات محاسبية خاصة، ولا تقوم بتصفية حساباتها بانتظام، ولا تُحدَّد فيها بوضوح المسؤوليات المالية للأعوان والمحاسبين. وفي مؤسسات كبرى مثل الشركة الموريتانية للكهرباء والموريتانية للطيران، أشار التقرير إلى وجود اختلالات في التسيير وغياب ضوابط قانونية دقيقة لتنظيم العلاقة بين التسيير الإداري والرقابة المالية، ويمثل هذا الوضع مساسًا بمبدأ استقلال الذمة المالية للمؤسسات العمومية، الذي يشكّل حجر الزاوية في القانون المالي العام وضمانة أساسية لتوازن العلاقة بين الدولة ومؤسساتها.
أغلب القطاعات العمومية لا تزال تُدار بمنطق إداري تقليدي يركّز على تنفيذ الأوامر أكثر مما يهتم بتحقيق النتائج أو احترام القواعد القانونية الناظمة للتسيير
كما يظهر من خلال استقراء فصول التقرير أن أغلب القطاعات العمومية لا تزال تُدار بمنطق إداري تقليدي يركّز على تنفيذ الأوامر أكثر مما يهتم بتحقيق النتائج أو احترام القواعد القانونية الناظمة للتسيير. وتتحول الرقابة في هذا السياق من أداة لتقويم الأداء إلى مجرّد إجراء شكلي يفرغها من مضمونها القانوني والردعي، ويُضعف أثرها الإصلاحي.
يخلص التقرير ضمناً إلى أن تجاوز هذه الاختلالات يتطلب إصلاحًا قانونيًا ومؤسسيًا عميقًا، قوامه: تفعيل المساءلة القانونية في مواجهة المسؤولين عن المال العام، وإلزام المؤسسات العمومية باعتماد أنظمة محاسبية حديثة تستجيب للمعايير الدولية للشفافية، وإرساء رقمنة شاملة للإجراءات الرقابية بما يتيح لمحكمة الحسابات ممارسة رقابتها في الزمن الحقيقي، مع ضرورة ترسيخ استقلالية القضاء المالي باعتباره الضامن الأول لحماية المال العام من التأثيرات الإدارية والسياسية.
إنّ تقرير محكمة الحسابات لا ينبغي أن يُقرأ كوثيقة محاسبية، بل كمرآة قانونية تعكس مدى احترام الدولة لالتزاماتها تجاه مبدأ الشرعية والشفافية. فحين تُهمَل النصوص، وتُعطَّل الآليات، ويتحول المال العام إلى مجال لتجريب القرارات الإدارية غير المنضبطة، تكون النتيجة خللًا مؤسسيًا متراكمًا يُهدد أسس الدولة القانونية نفسها.
ولهذا فإن الانتقال من مرحلة التوصيات إلى مرحلة المساءلة القانونية الحقيقية بات ضرورة لا تقبل التأجيل، لأن صون المال العام لا يتحقق بالتصريحات، بل بسيادة القانون وممارسة الرقابة الفعلية التي لا تستثني أحدًا.
تقرير الحسابات عمل رقابي بحت، ولابد أن تتبعه إجراءات صارمة
تجدر الإشارة في ختام هذه القراءة الموجزة إلى أن تقرير محكمة الحسابات لا يُعد حكمًا قضائيًا باتًا، ولا يحمل في ذاته طابع الإدانة النهائية، وإنما هو عمل رقابي ذي طبيعة تقويمية يهدف إلى كشف الاختلالات وتحديد المسؤوليات المحتملة على ضوء الوقائع والمعطيات المالية والإدارية المتاحة.
فالتقرير – في مضمونه ووظيفته القانونية – ينقل عبء الإثبات إلى الجهات أو الأشخاص المعنيين به، الذين يتعيّن عليهم تقديم الردود والتوضيحات الكافية لتفنيد ما ورد فيه أو تصحيح الوضعيات المثبتة فيه.
ومن ثمّ، فإن قيمته القانونية تكمن في تحريك مسار المساءلة وتمهيد الطريق أمام الرقابة القضائية التأديبية أو الجنائية عند الاقتضاء، لا في إصدار أحكام نهائية بالإدانة أو التبرئة.
إنه أداة لإعادة التوازن بين سلطة الإدارة ومساءلة القانون، أكثر منه وسيلة لإصدار العقوبات، وهو ما يرسّخ الطابع الوقائي للرقابة المالية ويُعيد الاعتبار لمبدأ المسؤولية الإدارية على أسس قانونية سليمة.
